تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
الصراط المستقيم ، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد ، والجهاد سلوك سبيل الله ، ولهذا يقال للغازي في سبيل الله مجاهد وثالثها : ما ذكرنا أن المراد التعريف ، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم ، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل ، وقوله * ( وينصرك الله نصراً عزيزاً ) * ظاهر ، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر ، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية : أما المسألة اللفظية : فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزاً ، والعزيز من له النصر والجواب : من وجهين أحدهما : ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوهاً ثلاثة الأول : معناه نصر إذ عز ، كقوله * ( في عيشة راضية ) * ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضى الثاني : وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال له كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق الثالث : المراد نصراً عزيزاً صاحبه الوجه الثاني من الجواب أن نقول : إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا : العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا : العزيز هو النفيس القليل النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد . أما المسألة المعنوية : وهي أن الله تعالى لما قال : * ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ) * أبرز الفاعل وهو الله ، ثم عطف عليه بقوله * ( ويتم ) * وبقوله * ( ويهديك ) * ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأول ، وههنا لم يقل وينصرك نصراً ، بل أعاد لفظ الله ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة ، فقال تعالى : * ( بنصر الله ينصر ) * ( الروم : 5 ) ولم يقل بالنصر ينصر ، وقال : * ( هو الذي أيدك بنصره ) * ( الأنفال : 62 ) ولم يقل بالنصر ، وقال : * ( إذا جاء نصر الله والفتح ) * ( النصر : 1 ) وقال : * ( نصر من الله وفتح قريب ) * ( الصف : 13 ) ولم يقل نصر وفتح ، وقال : * ( وما النصر إلا من عند الله ) * ( الأنفال : 10 ) وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر بالله ، قال تعالى : * ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) * ( النحل : 127 ) وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر الله ، كما قال تعالى : * ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * ( الرعد : 28 ) فلما قال ههنا وينصرك الله ، أظهر لفظ الله ذكراً للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وههنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال : * ( إنا فتحنا ) * ثم قال : * ( ليغفر لك الله ) * ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيماً لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى : * ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) * ( الزمر : 53 ) وقال : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصوماً ، وإتمام