جليلة ، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك ، فقال هناك : * ( مما عملت أيدينا ) * تصريحاً بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك * ( خلقت بيدي ) * وفي السماء * ( بأيد ) * من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهي أن هناك لما أثبت الإضافة بعد حذف الضمير العائد إلى المفعول ، فلم يقل خلقته بيدي ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا : * ( بنيناها ) * لأن هناك لم يخطر ببال أحد أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلقته ولا عملته وأما السماء فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال : * ( بنيناها ) * بعود الضمير تصريحاً بأنها مخلوقة .
وقوله تعالى : * ( وإنا لموسعون ) * فيه وجوه .
أحدها : أنه من السعة أي أوسعناها بحيث صارت الأرض وما يحيط به من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كحلقة في فلاة ، والبناء الواسع الفضاء عجيب فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض .
ثانيها : قوله : ) * وإنا لموسعون ) * أي لقادرون ومنه قوله تعالى : * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * ( البقرة : 286 ) أي قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة ، ويحتمل أن يقال بأن ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر كأنه يقول : بنينا السماء ، وإنا لقادرون على أن نخلق أمثالها ، كما في قوله تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) * ( يس : 81 ) .
ثالثها : * ( إنا لموسعون ) * الرزق على الخلق .
ثم قال تعالى :
* ( وَالاَْرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) * .
استدلالاً بالأرض وقد علم ما في قوله : * ( والأرض فرشناها ) * وفيه دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء ، لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش ، وقوله تعالى : * ( فنعم الماهدون ) * أي نحن أو فنعم الماهدون ماهدوها .
* ( وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * .
ثم قال تعالى : * ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) * استدلالاً بما بينهما والزوجان إما الضدان فإن الذكر والأنثى كالضدين والزوجان منهما كذلك ، وإما المتشاكلان فإن كل شيء له شبيه ونظير وضد وند ، قال المنطقيون المراد بالشيء الجنس وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان فمن كل جنس خلق نوعين من الجوهر مثلاً المادي والمجرد ، ومن المادي النامي والجامد ومن النامي المدرك والنبات من المدرك للناطق والصامت ، وكل ذلك يدل على أنه فرد لا كثرة فيه .
وقوله تعالى : * ( لعلّكم تذكرون ) * أي لعلّكم تذكرون أن خالق الأزواج لا يكون له زوج وإلا لكان ممكناً فيكون مخلوقاً ولا يكون خالقاً ، أو * ( لعلّكم تذكرون ) * أن خالق الأزواج لا يعجز عن حشر الأجسام وجمع الأرواح .
تفسير الرازي — صفحة 227
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٧