تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
ثم قال تعالى : * ( فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) * . أمر بالتوحيد ، وفيه لطائف . الأولى : قوله تعالى : * ( ففروا ) * ينبئ عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع ، فافزعوا إلى الله سريعاً وفروا . الثانية : قوله تعالى : * ( إلى الله ) * بيان المهروب إليه ولم يذكر الذي منه الهرب لأحد وجهين ، إما لكونه معلوماً وهو هول العذاب أو الشيطان الذي قال فيه : * ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ) * ( فاطر : 6 ) وإما ليكون عاماً كأنه يقول : كل ما عدا الله عدوكم ففروا إليه من كل ما عداه ، وبيانه وهو أن كل ما عداه فإنه يتلف عليك رأس مالك الذي هو العمر ، ويفوت عليكم ما هو الحق والخير ، ومتلف رأس المال مفوت الكمال عدو ، وأما إذا فررت إلى الله وأقبلت على الله فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء لا فناء معه . والثالثة : الفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه واتركوا غيره تركاً مؤبداً . الرابعة : في تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن الله تعالى قال : * ( والسماء بنيناها ) * ( الذاريات : 47 ) * ( والأرض فرشناها ) * ( الذاريات : 48 ) * ( ومن كل شيء خلقنا ) * ( الذاريات : 49 ) ثم جعل الكلام للنبي عليه السلام وقال : * ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) * ولم يقل ففروا إلينا ، وذلك لأن لاختلاف الكلام تأثيراً ، وكذلك لاختلاف المتكلمين تأثيراً ، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن الجادة ، ويجعل الكلام مختلفاً ، نوعاً ترغيباً ونوعاً ترهيباً ، وتنبيهاً بالحكاية ، ثم يقول لغيره تكلم معه لعلّ كلامك ينفع ، لما في أذهان الناس أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر ، والله تعالى ذكر أنواعاً من الكلام وكثيراً من الاستدلالات والآيات وذكر طرفاً صالحاً من الحكايات ، ثم ذكر كلاماً من متكلم آخر هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن المفسرين من يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله : * ( إني لكم منه نذير ) * إشارة إلى الرسالة . وفيه أيضاً لطائف . إحداها : أن الله تعالى بيّن عظمته بقوله : * ( والسماء بنيناها ) * * ( والأرض فرشناها ) * وهيبته بقوله : * ( فنبذناهم في اليم ) * ( القصص : 40 ) وقوله تعالى : * ( أرسلنا عليهم الريح العقيم ) * ( الذاريات : 48 ) وقوله : * ( فأخذتهم الصاعقة ) * ( النساء : 153 ) وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار ، فحكايات لوط تدل على أن التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد الله جعله سبب الفناء والماء كذلك في قوم فرعون والهواء في عاد والنار في ثمود ، ولعلّ ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة وقد ذكرنا في سورة العنكبوت شيئاً منه ، ثم إذا أبان عظمته وهيبته قال لرسوله عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات وسرد الحكايات فلإردافه بذكر الرسول فائدة . ثانيها : في الرسالة أمور ثلاثة المرسل والرسول والمرسل إليه وههنا ذكر الكل ، فقوله : * ( لكم ) * إشارة إلى المرسل إليهم وقوله : * ( منه ) * إشارة إلى المرسل وقوله : * ( نذير ) * بيان للرسول ، وقدم المرسل إليه في الذكر ، لأن المرسل إليه أدخل في أمر الرسالة
تفسير الرازي — صفحة 228 | فخر الدين الرازي