تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
* ( ما انتصر ) * أي لشيء من شأنه ذلك ، كما تقول فلان لا ينصر أو فلان ليس ينصر . ثم قال تعالى : * ( وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ) * . قرىء : * ( قوم ) * بالجر والنصب فما وجههما ؟ نقول : أما الجر فظاهر عطفاً على ما تقدم في قوله تعالى : * ( وفي عاد ) * ( الذاريات : 41 ) * ( وفي موسى ) * ( الذاريات : 38 ) ، تقول لك في فلان عبرة وفي فلان وفلان ، وأما النصب فعلى تقدير : وأهلكنا قوم نوح من قبل ، لأن ما تقدم دلّ على الهلاك فهو عطف على المحل ، وعلى هذا فقوله : * ( من قبل ) * معناه ظاهر كأنه يقول : * ( وأهلكنا قوم نوح من قبل ) * وأما على الوجه الأول فتقديره : وفي قوم نوح لكم عبرة من قبل ثمود وعاد وغيرهم . ثم قال تعالى : * ( وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) * . وهو بيان للوحدانية ، وما تقدم كان بياناً للحشر . وأما قوله ههنا : * ( والسماء بنيناها بأيد ) * وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من دون الله ما خلقوا منها شيئاً فلا يصح الإشراك ، ويمكن أن يقال هذا عود بعد التهديد إلى إقامة الدليل ، وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ثانياً ، كما قال تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) * ( يس : 81 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : النصب على شريطة التفسير يختار في مواضع ، وإذا كان العطف على جملة فعليه فما تلك الجملة ؟ نقول في بعض الوجوه التي ذكرناها في قوله تعالى : * ( وفي عاد ) * ( الذاريات : 41 ) * ( وفي ثمود ) * ( الذاريات : 43 ) تقديره وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود ، عطفاً على قوله : * ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) * ( الذاريات : 24 ) وعلى هذا يكون ما تقدم جملة فعلية لا خفاء فيه ، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور النصب أقرب منه إلى الرفع فكان عطفاً على ما بالنصب أولى ، ولأن قوله تعالى : * ( فنبذناهم ) * ( الذاريات : 40 ) وقوله : * ( أرسلنا ) * ( الذاريات : 32 ) وقوله تعالى : * ( فأخذتهم الصاعقة ) * ( الذاريات : 44 ) و * ( فما استطاعوا ) * ( الذاريات : 45 ) كلها فعليات فصار النصب مختاراً . المسألة الثانية : كرر ذكر البناء في السماوات ، قال تعالى : * ( والسماء وما بناها ) * ( الشمس : 5 ) وقال تعالى : * ( أم السماء بناها ) * ( النازعات : 27 ) وقال تعالى : * ( جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء ) * ( غافر : 65 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول فيه وجوه . أحدها : أن البناء باق إلى قيام القيامة لم يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء ، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير فهي كالفرش الذي يبسط ويطوي وينقل ، والسماء كالبناء المبني الثابت ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( سبعاً شداداً ) * ( النبأ : 12 ) وأما الأراضي فكم منها ما صار بحراً وعاد أرضاً من وقت