تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
* ( تمتعوا ) * فإن الظاهر أن المراد هو ما قدر الله للناس من الآجال ، فما من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل يقول له تمتع إلى آخر أجلك فإن أحسنت فقد حصل لك التمتع في الدارين وإلا فما لك في الآخرة من نصيب . وقوله : * ( فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) * . فيه بحث وهو أن عتا يستعمل بعلى قال تعالى : * ( أيهم أشد على الرحمن عتياً ) * ( مريم : 69 ) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى : * ( عن أمرهم ربهم ) * كان كقوله : * ( لا يستكبرون عن عبادته ) * ( الأعراف : 206 ) وحيث قال على كان كقول القائل فلان يتكبر علينا ، والصاعقة فيه وجهان ذكرناهما هنا . أحدها : أنها الواقعة . والثاني : الصوت الشديد وقوله : * ( وهم ينظرون ) * إشارة إلى أحد معنيين إما بمعنى تسليمهم وعدم قدرتهم على الدفع كما يقول القائل للمضروب يضربك فلان وأنت تنظر إشارة إلى أنه لا يدفع ، وإما بمعنى أن العذاب أتاهم لا على غفلة بل أنذروا به من قبل بثلاثة أيام وانتظروه ، ولو كان على غفلة لكان لمتوهم أن يتوهم أنهم أخذوا على غفلة أخذ العاجل المحتاج ، كما يقول المبارز الشجاع أخبرتك بقصدي إياك فانتظرني . * ( فَمَا اسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ) * . وقوله تعالى : * ( فما استطاعوا من قيام ) * يحتمل وجهين . أحدهما : أنه لبيان عجزهم عن الهرب والفرار على سبيل المبالغة ، فإن من لا يقدر على قيام كيف يمشي فضلاً عن أن يهرب ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية . إحداها : قوله تعالى : * ( فما استطاعوا ) * فإن الاستطاعة دون القدرة ، لأن في الاستطاعة دلالة الطلب وهو ينبئ عن عدم القدرة والاستقلال ، فمن استطاع شيئاً كان دون من يقدر عليه ، ولهذا يقول المتكلمون الاستطاعة مع الفعل أو قبل الفعل إشارة إلى قدرة مطلوبه من الله تعالى مأخوذة منه وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( هل يستطيع ربك ) * ( المائدة : 112 ) على قراءة من قرأ بالتاء وقوله : * ( فما استطاعوا ) * أبلغ من قول القائل ما قدروا على قيام . ثانيها : قوله تعالى : * ( من قيام ) * بزيادة من ، وقد عرفت ما فيه من التأكيد . ثالثها : قوله : * ( قيام ) * بدل قوله هرب لما بينا أن العاجز عن القيام أولى أن يعجز عن الهرب . الوجه الثاني : هو أن المراد من قيام القيام بالأمر ، أي ما استطاعوا من قيام به . وقوله تعالى : * ( وما كانوا منتصرين ) * أي ما استطاعوا الهزيمة والهرب ، ومن لا يقدر عليه يقاتل وينتصر بكل ما يمكنه لأنه يدفع عن الروح وهم مع ذلك ما كانوا منتصرين ، وقد عرفت أن قول القائل ما هو بمنتصر أبلغ من قوله ما انتصر ولا ينتصر والجواب ترك مع كونه يجب تقديره وقوله :