تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
سورة الذاريات ستون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالذَارِيَاتِ ذَرْواً * فَلْحَامِلَاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ) * . أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى لما بيّن الحشر بدلائله وقال : * ( ذلك حشر علينا يسيراً ) * ( ق : 44 ) وقال : * ( وما أنت عليهم بجبار ) * ( ق : 45 ) أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال : * ( والذاريات ذرواً . . . إنما توعدون لصادق ) * وأول هذه السورة وآخرها متناسبان حيث قال في أولها : * ( إنما توعدون لصادق ) * ( الذاريات : 5 ) وقال في آخرها : * ( فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ) * ( الذاريات : 60 ) وفي تفسير الآيات مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا الحكمة وهي في القسم من المسائل الشريفة والمطالب العظيمة في سورة والصافات ، ونعيدها ههنا وفيها وجوه . الأول : أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه وسلم غالباً في إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ما يقوله ، وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال ، كما أن بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة ، يقول : إنه غلبني لعلمه بطريق الجدل وعجزي عن ذلك ، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير اليمين ، فيقول : والله إن الأمر كما أقول ، ولا أجادلك بالباطل ، وذلك لأنه لو سلك طريقاً آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تم الدليل الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالإيمان وترك إقامة البرهان . الثاني : هو أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار بلاقع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتاً ، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذباً ، وإلا لأصابه شؤم الإيمان ولناله