تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
النفوس ، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف ، وتلك القسمة المتفاوتة تنقسم بمقسم مختار ومأمور مختار فقال : * ( فالمقسمات أمراً ) * . المسألة الخامسة : ما هذه المنصوبات من حيث النحو ؟ فنقول أما * ( ذرواً ) * فلا شك في كونه منصوباً على أنه مصدر ، وأما * ( وقراً ) * فهو مفعول به ، كما يقال : حمل فلان عدلاً ثقيلاً ، ويحتمل أن يكون اسماً أقيم مقام المصدر ، كما يقال : ضربه سوطاً يؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو . وأما * ( يسراً ) * فهو أيضاً منصوب على أنه صفة مصدر ، تقديره جرياً ذا يسر ، وأما * ( المقسمات أمراً ) * فهو إما مفعول به ، كما يقال : فلان قسم الرزق أو المال وإما حال أتى على صورة المصدر ، كما يقال : قتلته صبراً ، أي مصبوراً كذلك ههنا * ( المقسمات أمراً ) * أي مأمورة ، فإن قيل : إن كان * ( وقراً ) * مفعوله به فلم لم يجمع ، ومما قيل : والحاملات أوقاراً ؟ نقول : لأن الحاملات على ما ذكرنا صفة الرياح ، وهي تتوارد على وقر واحد ، فإن ريحاً تهب وتسوق السحابة فتسبق السحاب ، فتهب أخرى وتسوقها ، وربما تتحول عنه يمنة ويسرة بسبب اختلاف الرياح ، وكذلك القول في المقسمات أمراً ، إذا قلنا هو مفعول به ، لأن جماعة يكونون مأمورين تنقسم أمراً واحداً ، أو نقول هو في تقدير التكرير كأنه قال : فالحاملات وقراً وقراً ، والمقسمات أمراً أمراً . المسألة الثامنة : ما فائدة الفاء ؟ نقول : إن قلنا إنها صفات الرياح فلبيان ترتيب الأمور في الوجود ، فإن الذاريات تنشئ السحاب فتقسم الأمطار على الأمطار ، وإن قلنا إنها أمور أربعة فالفاء للترتيب في القسم لا للترتيب في القسم لا للترتيب في المقسم به ، كأنه يقول : أقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحب الحاملات ثم بالسفن الجاريات ثم بالملائكة المقسمات ، وقوله : * ( فالحاملات ) * وقوله : * ( فالجاريات ) * إشارة إلى بيان ما في الرياح من الفوائد ، أما في البر فإنشاء السحب ، وأما في البحر فإجراء السفن ، ثم المقسمات إشارة إلى ما يترتب على حمل السحب وجري السفن من الأرزاق ، والأرياح التي تكون بقسمة الله تعالى فتجري سفن بعض الناس كما يشتهي ولا تربح وبعضهم تربح وهو غافل عنه ، كما قال تعالى : * ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم ) * ( الزخرف : 32 ) . ثم قال تعالى : * ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ) * . ( ما ) يحتمل أن يكون مصدرية معناه الإيعاد صادق و ( إن ) تكون موصولة أي الذي توعدون صادق ، والصادق معناه ذو صدق كعيشة راضية ووصف المصدر بما يوصف به الفاعل بالمصدر فيه إفادة مبالغة ، فكما أن من قال فلان لطف محض وحلم يجب أن يكون قد بالغ كذلك من قال كلام صادق وبرهان قاهر للخصم أو غير ذلك يكون قد بالغ ، والوجه فيه هو أنه إذا قال هو لطف بدل قوله لطيف فكأنه قال اللطيف شيء له لطف ففي اللطيف لطف وشئ آخر ، فأراد أن يبين كثرة اللطف فجعله كله لطفاً ، وفي الثاني لما كان