تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
والياً ، إذا كان القائل يريد بيان مذلة زيد عندما صار زيد يكرم بسبب من الأسباب ، فلا يكون يوم كان عمرو والياً منصوباً بقوله أذكر لأن غرض القائل التذكير بحال زيد ومذلته وذلك يوم الضرب ، لكن يوم كان عمرو منصوب بقوله ضربه عمرو يوم كان والياً ، فكذلك ههنا قال : * ( واستمع يوم يناد المناد ) * لئلا تكون ممن يفزع ويصعق ، ثم بين هذا النداء بقوله : * ( يناد المناد ) * يوم يسمعون أي لا يكون نداءً خفياً بحيث لا يسمعه بعض الناس بل يكون نداؤه بحيث تكون نسبته إلى من في أقصى المغرب كنسبته إلى من في المشرق ، وكلكم تسمعون ، ولا شك أن مثل هذا الصوت يجب أن يكون الإنسان متهيئاً لاستماعه ، وذلك يشغل النفس بعبادة الله تعالى وذكره والتفكير فيه فظهر فائدة جليلة من قوله : * ( فاصبر ، وسبح ، واستمع يوم يناد المناد ، ويوم يسمعون ) * واللام في الصيحة للتعريف ، وقد عرف حالها وذكرها الله مراراً كما في قوله تعالى : * ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) * ( يس : 29 ) وقوله ) * ( فإنما هي زجرة واحدة ) * ( الصافات : 19 ) وقوله : * ( نفخة واحدة ) * ( الحاقة : 13 ) وقوله : * ( بالحق ) * جاز أن يكون متعلقاً بالصيحة أي الصحة بالحق يسمعونها ، وعلى هذا ففيه وجوه : الأول : الحق الحشر أي الصيحة بالحشر وهو حق يسمعونها يقال صاح زيد بيا قوم اجتمعوا على حد استعمال تكلم بهذا الكلام وتقديره حينئذ يسمعون الصيحة بيا عظام اجتمعي وهو المراد بالحق . الثاني : الصيحة بالحق أي باليقين والحق هو اليقين ، يقل صاح فلان بيقين لا بظن وتخمين أي وجد منه الصياح يقيناً لا كالصدى وغيره وهو يجري مجرى الصفة للصيحة ، يقال استمع سماعاً بطلب ، وصاح صيحة بقوة أي قوية فكأنه قال الصيحة المحققة . الثالث : أن يكون معناه الصيحة المقترنة بالحق وهو الوجود ، يقال كن فيتحقق ويكون ، ويقال اذهب بالسلام وارجع بالسعادة أي مقروناً ومصحوباً ، فإن قيل زد بياناً فإن الباء في الحقيقة للإلصاق فكيف يفهم معنى الإلصاق في هذه المواضع ؟ نقول التعدية قد تتحقق بالباء يقال ذهب بزيد على معنى ألصق الذهاب بزيد فوجد قائماً به فصار مفعولاً ، فعلى قولنا المراد يسمعون صيحة من صاح بيا عظام اجتمعي هو تعدية المصدر بالباء يقال أعجبني ذهاب زيد بعمرو ، وكذلك قوله : * ( الصيحة بالحق ) * أي ارفع الصوت على الحق وهو الحشر ، وله موعد نبينه في موضع آخر إن شاء الله تعالى . الوجه الثاني : أن يكون الحق متعلقاً بقوله : * ( يسمعون ) * أي يسمعون الصيحة بالحق وفيه وجهان . الأول : هو قول القائل سمعته بيقين . الثاني : الباء في يسمعون بالحق قسم أي يسمعون الصيحة بالله الحق وهو ضعيف وقوله تعالى : * ( ذلك يوم المخارق ) * فيه وجهان . أحدهما : ذلك إشارة إلى يوم أي ذلك اليوم يوم الخروج . ثانيهما : ذلك إشارة إلى نداء المنادي . ثم قال تعالى : * ( إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ) * .
تفسير الرازي — صفحة 189 | فخر الدين الرازي