تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
منع ومن الليل انتبه ، أي بعضه . البحث الخامس : قوله : * ( وأدبار السجود ) * عطف على ماذا ؟ نقول : يحتمل أن يكون عطفاً على ما قبل الغروب كأنه تعالى قال : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وأدبار السجود ) وذكر بينهما قوله : * ( ومن الليل فسبحه ) * وعلى هذا ففيه ما ذكرنا من الفائدة وهي الأمر بالمداومة ، كأنه قال : سبح قبل طلوع الشمس ، وإذا جاء وقت الفراغ من السجود قبل الطلوع فسبح وسبح قبل الغروب ، وبعد الفراغ من السجود قبل الغروب سبحه فيكون ذلك إشارة إلى صرف الليل إلى التسبيح ، ويحتمل أن يكون عطفاً على * ( ومن الليل فسبحه ) * وعلى هذا يكون عطفاً على الجار والمجرور جميعاً ، تقديره وبعض الليل ( فسبحه وأدبار السجود ) . ثم قال تعالى : * ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) * . هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح ، يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله تعالى : * ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) * ( الحجر : 99 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الذي يستمعه ؟ قلنا : يحتمل وجوهاً ثلاثة . أحدها : أن يترك مفعوله رأساً ويكون المقصود كن مستمعاً ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين الغافلين ، يقال هو رجل سميع مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكاس ، وفلان يعطي ويمنع . ثانيهما : استمع لما يوحي إليك . ثالثها : استمع نداء المنادي . المسألة الثانية : * ( يوم ينادِ المنادِ ) * منصوب بأي فعل ؟ نقول : هو مبني على المسألة الأولى ، إن قلنا استمع لا مفعول له فعامله ما يدل عليه قوله تعالى : * ( يوم الخروج ) * ( ق : 42 ) تقديره : يخرجون يوم ينادي المنادي ، وإن قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره ( واستمع ) لما يوحى ( يوم ينادي ) ويحتمل ما ذكرنا وجهاً آخر ، وهو ما يوحي أي ما يوحى * ( يوم ينادِ المنادِ ) * أسمعه ، فإن قيل : استمع عطف على فاصبر وسبح وهو في الدنيا ، والاستماع يكون في الدنيا ، وما يوحى * ( يوم ينادِ المنادِ ) * لا يستمع في الدنيا ، نقول ليس بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العقبى ، فكذلك ههنا ، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى انتظر فيحتمل الجمع في الدنيا ، وإن قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادي : يا عظام انتشري ، والسؤال إلي ذكره علم الجواب منه ، وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن الله تعالى قال : * ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) * ( الزمر : 68 ) قلنا : إن من شاء الله هم الذين علموا وقوع الصيحة ، واستيقظوا لها فلم تزعجهم كمن يرى برقاً أومض ، وعلم أن عقبيه يكون رعد قوي فينظره ويستمع له ، وآخر غافل فإذا رعد بقوة ربما يغشى على الغافل ولا يتأثر منه المستمع ، فقال : استمع ذلك كي لا تكون ممن يصعق في ذلك اليوم .