تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
* ( وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) * . وقوله : * ( ومن الليل فسبحه ) * إشارة إلى زلفاً من الليل ، ووجه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم له شغلان . أحدهما : عبادة الله . وثانيهما : هداية الخلق فإذا هداهم ولم يهتدوا ، قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو عبادة الحق . ثانيها : سبح بحمد ربك ، أي نزهه عما يقولون ولا تسأم من امتناعهم بل ذكرهم بعظمة الله تعالى ونزهه عن الشرك والعجز عن الممكن الذي هو الحشر قبل الطلوع وقبل الغروب ، فإنهما وقت اجتماعهم * ( ومن الليل فسبحه ) * أي أوائل الليل ، فإنه أيضاً وقت اجتماع العرب ، ووجه هذا أنه لا ينبغي أن تسأم من تكذيبهم فإن الرسل من قبلك أوذوا وكذبوا وصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وعلى هذا فلقوله تعالى : * ( وأدبار السجود ) * فائدة جليلة وهي الإشارة إلى ما ذكرنا أن شغل الرسول أمر أن العبادة والهداية فقوله : * ( وأدبار السجود ) * أي عقب ما سجدت وعبدت نزه ربك بالبرهان عند اجتماع القوم ليحصل لك العبادة بالسجود والهداية أدبار السجود . ثالثها : أن يكون المراد قل سبحان الله ، وذلك لأن ألفاظاً معدودة جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم ، فقولنا كبر يطلق ويراد به قول القائل الله أكبر ، وسلم يراد به قوله السلام عليكم ، وحمد يقال لمن قال الحمد لله ، ويقال هلل لمن قال لا إله إلا الله ، وسبح لمن قال سبحان الله ، ووجه هذا أن هذه أمور تتكرر من الإنسان في الكلام والحاجة تدعو إلى الإخبار عنها ، فلو قال القائل فلان قال لا إله إلا الله أو قال الله أكبر طول الكلام ، فمست الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة لذلك لعدم تكرر ما في الأول ، وأما مناسبة هذا الوجه للكلام الذي هو فيه ، فهي أن تكذيبهم الرسول وتعجبهم من قوله أو استهزاءهم كان يوجب في العادة أن يشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بلعنهم وسبهم والدعاء عليهم فقال : فاصبر على ما يقولون واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم التسبيح لله والحمد له ولا تكن كصاحب الحوت أو كنوح عليه السلام حيث قال : * ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ) * ( نوح : 26 ) بل ادع إلى ربك فإذا ضجرت عن ذلك بسبب إصرارهم فاشتغل بذكر ربك في نفسك ، وفيه مباحث : البحث الأول : استعمل الله التسبيح تارة مع اللام في قوله تعالى : * ( يسبح الله ) * ( الجمعة : 1 ) ، و * ( يسبحون له ) * ( فصلت : 38 ) وأخرى مع الباء في قوله تعالى : * ( فسبح باسم ربك العظيم ) * ( الواقعة : 74 ) و * ( سبح بحمد ربك ) * ( طه : 42 ) وقوله : * ( سبح اسم ربك الأعلى ) * ( الأعلى : 1 ) فما الفرق بينهما ؟ نقول : أما الباء فهي الأهم وبالتقديم أولى في هذا الموضع كقوله تعالى : * ( وسبع بحمد ربك ) * فنقول أما على قولنا المراد من سبح قل سبحان الله ، فالباء للمصاحبة أي مقترناً بحمد الله ، فيكون كأنه تعالى قال قل سبحان الله والحمد لله ، وعلى قولنا المراد التنزيه لذلك أي نزهه وأقرنه بحمده أي سبحه واشكره حيث وفقك الله لتسبيحه فإن السعادة الأبدية لمن سبحه ، وعلى هذا فيكون المفعول
تفسير الرازي — صفحة 185 | فخر الدين الرازي