تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
بعد اندفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال : * ( بالعدل ) * فكأنه قال : واحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأصلحوا بالعدل مما يكون بينهما ، لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة بينهما مرة أخرى الثامن : إذا قال : * ( فأصلحوا بينهما بالعدل ) * فأية فائدة في قوله * ( وأقسطوا ) * نقول قوله فأصلحوا بينهما بالعدل كان فيه تخصيص بحال دون حال فعمم الأمر بقوله * ( وأقسطوا ) * أي في كل أمر مفض إلى أشرف درجة وأرفع منزلة وهي محبة الله ، والإقساط إزالة القسط وهو الجور والقاسط هو الجائر ، والتركيب دال على كون الأمر غير مرضي من القسط والقاسط في القلب وهو أيضاً غير مرضي ولا معتد به فكذلك القسط . ثم قال تعالى * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) * تتميماً للإرشاد وذلك لأنه لما قال : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * ( الحجرات : 9 ) كان لظان أن يظن أو لمتوهم أن يتوهم أن ذلك عند اختلاف قوم ، فأما إذا كان الاقتتال بين اثنين فلا تعم المفسدة فلا يؤمر بالإصلاح ، وكذلك الأمر بالإصلاح هناك عند الاقتتال ، وأما إذا كان دون الاقتتال كالتشاتم والتسافه فلا يجب الإصلاح فقال : * ( بين أخويكم ) * وإن لم تكن الفتنة عامة وإن لم يكن الأمر عظيماً كالقتال بل لو كان بين رجلين من المسلمين أدنى اختلاف فاسعوا في الإصلاح . وقوله * ( واتقوا الله لعلّكم ترحمون ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( إنما المؤمنون إخوة ) * قال بعض أهل اللغة الأخوة جمع الأخ من النسب والإخوان جمع الأخ من الصداقة ، فالله تعالى قال : * ( إنما المؤمنون إخوة ) * تأكيداً للأمر وإشارة إلى أن ما بينهم ما بين الأخوة من النسب والإسلام كالأب ، قال قائلهم : أبي الإسلام لا أب ( لي ) سواه * إذا افتخروا بقيس أو تميم المسألة الثانية : عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل اتقوا ، وقال ههنا اتقوا مع أن ذلك أهم ؟ نقول الفائدة هو أن الاقتتال بين طائفتين يفضي إلى أن تعم المفسدة ويلحق كل مؤمن منها شيء وكل يسعى في الإصلاح لأمر نفسه فلم يؤكد بالأمر بالتقوى ، وأما عند تخاصم رجلين لا يخاف الناس ذلك وربما يزيد بعضهم تأكد الخصام بين الخصوم لغرض فاسد فقال : * ( فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ) * أو نقول قوله * ( فأصلحوا ) * إشارة إلى الصلح ، وقوله * ( واتقوا الله ) *