تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
يحسن منه تعالى فعله ، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب . الصفة الخامسة : التوحيد المطلق وهو قوله * ( لا إله إلا هو ) * والمعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل ، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة ، أما إذا كان واحداً وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة ، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد . الصفة السادسة : قوله * ( إليه المصير ) * وهذه الصفة أيضاً مما يقوى الرغبة في الإقرار بعبوديته ، لأنه بتقدير أن يكون موصوفاً بصفات الفضل والكرم وكان واحداً لا شريك له ، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلاً لم يكن الخوف الشديد حاصلاً من عصيانه ، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلاً كان الخوف أشد والحذر أكمل ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات ، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى ، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية ، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب . واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال : * ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل ، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * ( النمل : 125 ) وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام * ( يا نوح قد جادلتنا جدالنا ) * ( هود : 32 ) وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال : * ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) * وقال : * ( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) * ( الزخرف : 58 ) وقال : * ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) * وقال صلى الله عليه وسلم : " إن جدالاً في القرآن كفر " فقوله إن جدالاً على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال لأجل تقريره والذب عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن جدالاً في القرآن كفر " وقال : " لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر " . المسألة الثانية : الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر ، وأشباه هذا مما كانوا يقولون من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق . ثم قال تعالى : * ( فلا يغررك تقلبهم في البلاد ) * أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم