كمن أعطى غيره مالاً ليصل به إلى ملك ضيعة ، فإنه يقال في تلك الضيعة إنها من فضله ، قلنا مذهبك أن هذا الثواب حق لازم على الله ، وإنه تعالى لو أخل به لصار سفيهاً ولخرج به عن الإلهية فكيف يمكن وصف مثل هذا الشيء بأنه فضل من الله تعالى ؟
ثم قال تعالى ؛ * ( ذلك هو الفوز العظيم ) * واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق ، فإنه تعالى وصفه بكونه فضلاً من الله ثم وصف الفضل من الله بكونه فوزاً عظيماً ، ويدل عليه أيضاً أن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى حالاً من إعطاء تلك الأجرة ، ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال : * ( فإنما يسرناه بلسانك لعلّهم يتذكرون ) * والمعنى أنه تعالى وصف القرآن في أول هذه السورة بكونه كتاباً مبيناً أي كثير البيان والفائدة وذكر في خاتمتها ما يؤكد ذلك فقال : إن ذلك الكتاب المبين ، الكثير الفائدة إنما يسرناه بلسانك ، أي إنما أنزلنا عربياً بلغتك ، لعلّهم يتذكرون ، قال القاضي وهذا يدل على أنه أراد من الكل الإيمان والمعرفة وأنه ما أراد من أحد الكفر وأجاب أصحابنا أن الضمير في قوله * ( لعلّهم يتذكرون ) * عائد إلى أقوام مخصوصين فنحن نحمل ذلك على المؤمنين .
ثم قال : * ( فارتقب ) * أي فانتظر ما يحل بهم * ( إنهم مرتقبون ) * ما يحل بك ، متربصون بك الدوائر والله أعلم .
تفسير الرازي — صفحة 255
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٥٥