تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
المسألة الثالثة : احتج القاضي بقوله تعالى : * ( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) * فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله * ( وما ظلمناهم ) * وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه ؟ أوليس لو أثبتناه ظلماً لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم ، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجل فقط ، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معاً ، فلم يكن ذلك ظلماً من الله . قلنا : عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم ، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى ، فكأنه لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالماً لهم ، وذلك محال لأن من يكون ظالماً في فعل ، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين ؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع ، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه ، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد ، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذٍ يلزمك ما أوردته علينا . واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره ، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده ، فإن رآه وارداً على مذهبه بعينه لم يذكره والله أعلم . المسألة الرابعة : قرأ ابن مسعود * ( يا مال ) * بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ * ( ونادوا يا مال ) * فقال : ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم ! وأجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها . المسألة الخامسة : اختلفوا في أن قولهم * ( يا مالك ليقض علينا ربك ) * على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني ، وقال آخرون على وجه الاستغاثة ، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب ، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب . ثم إنه تعالى بيّن أن مالكاً يقول لهم * ( إنكم ماكثون ) * وليس في القرآن متى أجابهم ، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة ، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استخفافاً بهم وزيادة في غمهم ، فعن عبد الله بن عمر بعد أربعين سنة ، وعن غيره بعد مائة سنة ، وعن ابن عباس بعد ألف سنة والله أعلم بذلك المقدار . ثم بيّن تعالى أن مالكاً لما أجابهم بقوله * ( إنكم ماكثون ) * ذكر بعده ما هو كالعلة لذلك الجواب فقال : * ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) * والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق ، فإن قيل كيف قال : * ( ونادوا يا مالك ) * بعد ما وصفهم بالإبلاس ؟ قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم ، روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم
تفسير الرازي — صفحة 227 | فخر الدين الرازي