المتقين ) .
الحكم الثاني من أحكام يوم القيامة
قوله تعالى ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) * وقد ذكرنا مراراً أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد ، بالمؤمنين المطيعين المتقين ، فقوله * ( يا عباد ) * كلام الله تعالى ، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم * ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) * وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها : أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وثانيها : أنه تعالى وصفهم بالعبودية ، وهذا تشريف عظيم ، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، قال : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ) * ( الإسراء : 1 ) وثالثها : قوله * ( لا خوف عليكم اليوم ) * فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية ، وهذا من أعظم النعم ورابعها : قوله * ( ولا أنتم تحزنون ) * فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية .
ثم قال تعالى : * ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) * قيل * ( الذين آمنوا ) * مبتدأ ، وخبره مضمر ، والتقدير يقال لهم : أدخلوا الجنة ، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا ، قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة ، نادى منادٍ * ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ) * فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم ، فيقال * ( الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) * فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث : من وقائع القيامة ، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن ، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها ، ثم يقال لهم * ( أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ) * والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل ، يعني يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة ، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم . ثم قال : * ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ) * قال الفراء : الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له ، فقوله * ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب ) * إشارة إلى المطعوم ، وقوله * ( وأكواب ) * إشارة إلى المشروب ، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بياناً كلياً ، فقال : * ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ) * .
ثم قال : * ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) * وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله * ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ) * ( المؤمنون : 10 ، 11 ) ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم ، ذكر ههنا حال الفاكهة ، فقال : * ( لكم فيها فاكهة منها تأكلون ) * .
واعلم أنه تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب أولاً ، ثم إلى العالمين ثانياً ، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى ، تكميلاً لرغبتهم وتقوية لدواعيهم .
قوله تعالى
* ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ *
تفسير الرازي — صفحة 225
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٥