وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْاْ يامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) *
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد ، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله * ( إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ) * ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق ، فوجب كون الكل في عذاب جهنم ، وقوله * ( خالدون ) * يدل على الخلود ، وقوله أيضاً * ( لا يفتر عنهم ) * يدل على الخلود والدوام أيضاً والجواب : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين ههنا الكفار ، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال : * ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) * ( الزخرف : 68 ، 69 ) فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين ، فإنهم يدخلون تحت قوله * ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) * والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم ، فوجب أن يكون داخلاً تحت ذلك الوعد ، ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله * ( جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) * والمراد بالحق ههنا إما الإسلام وإما القرآن ، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن ، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار ، والله أعلم . المسألة الثانية : أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما : الخلود ، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام وثانيها : قوله : * ( لا يفتر عنهم ) * أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها وثالثها : قوله * ( وهم فيه مبلسون ) * والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج ، عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار ، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالداً لا يرى ، قال صاحب " الكشاف " : وقرئ * ( وهم فيها ) * أي وهم في النار .
تفسير الرازي — صفحة 226
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٦