وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
ونقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي إلى هذا البيت ، قال : " قاتلها الله ما رضيت بتشبيهها له بالجبل حتى جعلت على رأسه ناراً ! " إذا عرفت هذا فنقول : هذه السفن العظيمة التي تكون كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه ، وعند سكون هذه الرياح تقف ، وقد بينا بالدليل في سورة النحل ، أن محرك الرياح ومسكنها هو الله تعالى ، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ولا على تسكينها ، وذلك يدل على وجود الإله القادر ، وأيضاً أن السفينة تكون في غاية الثقل ، ثم إنها مع ثقلها بقيت على وجه الماء ، وهو أيضاً دلالة أخرى وأما الوجه الثاني : وهو معرفة ما فيها من المنافع ، فهو أنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة ، وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة ، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفينة .
ثم قال تعالى : * ( إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ) * قرأ أبو عمرو والجمهور : بهمزة * ( إن يشأ ) * لأن سكون الهمزة علامة للجزم ، وعن ورش عن نافع بلا همزة ، وقرأ نافع وحده * ( يسكن الرياح ) * على الجمع ، والباقون * ( الريح ) * على الواحد ، قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( يظللن ) * بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل ، وقوله تعالى : * ( رواكد ) * أي رواتب ، أي لا تجري على ظهره ، أي على ظهر البحر * ( إن في ذلك لآيات لكل صبّار ) * على بلاء الله * ( شكور ) * لنعمائه ، والمقصود التنبيه ، على أن المؤمن يجب أن لا يكون غافلاً عن دلائل معرفة الله البتة ، لأنه لا بد وأن يكون إما في البلاء ، وإما في الآلاء ، فإن كان في البلاء كان من الصابرين ، وإن كان من النعماء كان من الشاكرين ، وعلى هذا التقدير فإنه لا يكون البتة من الغافلين .
ثم قال تعالى : * ( أو يوبقهن بما كسبوا ) * يعني أو يهلكهن ، يقال أوبقه ، أي أهلكه ، ويقال للمجرم أوبقته ذنوبه ، أي أهلكته ، والمعنى أنه تعالى إن شاء ابتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الريح فتركد الجواري على متن البحر وتقف ، وإما أن يرسل الرياح عاصفة فيها فيهلكن بسبب الإغراق ، وعلى هذا التقدير فقوله * ( أو يوبقهن ) * معطوف على قوله * ( يسكن ) * لأن التقدير إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها ، وقوله * ( ويعفو عن كثير ) * معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً عن طريق العفو عنهم ، فإن قيل فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله ، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم ، وأما من قرأ * ( ويعفو ) * فقد استأنف الكلام .
ثم قال : * ( ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ) * قرأ نافع وابن عامر : يعلم بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالنصب ، فالقراءة بالرفع على الاستئناف ، وأما بالنصب فللعطف على
تفسير الرازي — صفحة 175
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٥