تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
للحشر والمحاسبة ، وإنما قال : * ( على جمعهم ) * ولم يقل على جمعها ، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة ، فكأنه تعالى قال : وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير ، واحتج الجبائي بقوله * ( إذا يشاء قدير ) * على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال : إن كلمة * ( إذا ) * تفيد ظرف الزمان ، وكلمة * ( يشاء ) * صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة ، ولما دل قوله * ( إذا يشاء قدير ) * على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب : أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة ، أي مشيئة الله ، فقد دخلتا أيضاً على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادراً صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلاً ، فكذا القول فيما ذكره ، والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر * ( بما كسبت ) * بغير فاء ، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم ، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثاني تضمين كلمة : ما معنى الشرطية . المسألة الثانية : المراد بهذه المصائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا ؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه الأولى : قوله تعالى : * ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) * ( غافر : 17 ) بيّن تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، وقال تعالى في سورة الفاتحة * ( مالك يوم الدين ) * ( الفاتحة : 4 ) أي يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة والثاني : أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل " الثالث : أن الدنيا دار التكليف ، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدنيا دار التكليف ودار الجزاء معاً ، وهو محال ، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة ، فقد تمسكوا أيضاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : " لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ " هذا معناه وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى بعد هذه الآية * ( أو يوبقهن بما كسبوا ) * ( الشورى : 34 ) وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية ، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف ، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء ، ويحمل قوله * ( فبما كسبت أيديكم ) *