تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الشرط في حصول الثواب . وأما قوله تعالى : * ( وأمرهم شورى بينهم ) * فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم ، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه ، وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، ومعنى قوله * ( وأمرهم شورى بينهم ) * أي ذو شورى . الصفة الخامسة : قوله تعالى : * ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) * والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه ، وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء ، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين الأول : أنه لما ذكر قبله * ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) * فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله * ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) * ؟ الثاني : وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى : * ( وأن تعفو أقرب للتقوى ) * ( البقرة : 237 ) وقال : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) * ( الفرقان : 72 ) وقال : * ( خذ العفو وأم بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) * ( الأعراف : 199 ) وقال * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) * ( النحل : 126 ) فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية والجواب : أن العفو على قسمين أحدهما : أن يكون العفو سبباً لتسكين الفتنة وجناية الجاني ورجوعه عن جنايته والثاني : أن يصير العفو سبباً لمزيد جراءة الجاني ولقوة غيظه وغضبه ، والآيات في العفو محمولة على القسم الأول ، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني ، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم ، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون كالإغراء له ولغيره ، فلو أن رجلاً وجد عبده فجر بجاريته وهو مصر فلو عفا عنه كان مذموماً ، وروي أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دونك فانتصري " وأيضاً إنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بيّن أنه مشروع فقط ، ثم بيّن بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة ، ثم بيّن أن العفو أولى بقوله * ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) * فزال السؤال والله أعلم . قوله تعالى * ( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى
تفسير الرازي — صفحة 177 | فخر الدين الرازي