تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى : * ( ولنجعله آية للناس ) * ( مريم : 21 ) وقوله تعالى : * ( وخلق السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت ) * ( الجاثية : 22 ) قال صاحب " الكشاف " : ومن قرأ على جزم * ( ويعلم ) * فكأنه قال أو إن يشأ ، يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية * ( وليعلم الذين يجادلون ) * أي ينازعون على وجه التكذيب ، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن ، وإذا عصفت الرياح فيصير ذلك سبباً لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله . واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها ، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه ، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها ، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل ، فقال : * ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ) * وسماه متاعاً تنبيهاً على قلته وحقارته ، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء . ثم قال تعالى : * ( وما عند الله خير وأبقى ) * والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة ، ونبه على خساستها بتسميتها بالمتاع ، ونبّه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا ، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى ، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات : الصفة الأولى : أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى : * ( الذين آمنوا ) * . الصفة الثانية : أن يكون من المتوكلين على فضل الله ، بدليل قوله تعالى : * ( وعلى ربهم يتوكلون ) * فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله ، فلا يدخل تحت الآية . الصفة الثالثة : أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش ، عن ابن عباس : كبير الإثم ، هو الشرك ، نقله صاحب " الكشاف " : وهو عندي بعيد ، لأن شرط الإيمان مذكور أولاً وهو يغني عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية ، وبقوله * ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) * ما يتعلق بالقوة الغضبية ، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة ، فلهذا السبب خصّه بهذا اللفظ ، والله أعلم . الصفة الرابعة : قوله تعالى : * ( والذين استجابوا لربهم ) * والمراد منه تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطاً فيه فقد دخل في الإيمان إجابة الله ؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب ، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور . ولما ذكر هذا الشرط قال : * ( وأقاموا الصلاة ) * والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة ، لأن هذا هو