عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة ، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر ، أو المراد منته أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة ، والأول باطل وإلا لصار قوله * ( ويعفو عن السيئات ) * عين قوله * ( وهو الذي يقبل التوبة ) * والتكرار خلاف الأصل ، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة .
ثم قال : * ( ويعلم ما تفعلون ) * قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة ، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته .
ثم قال : * ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ) * وفيه قولان أحدهما : الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه . والثاني : محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره ، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله * ( وإذا كالوهم ) * ( المطففين : 3 ) وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى : * ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) * وما بعدها قوله * ( ويزيدهم من فضله ) * فيزيد عطف على ويستجيب ، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله . أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان : أحدهما : ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني : يطيعونه فيما أمرهم به ، والاستجابة الطاعة . وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا ، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله ، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء الكفار ؟ قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم ، وذلك لا يليق بالكفار ، وقيل يجوز على بعض الوجوه ، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سبيل التشريف ، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج ،
ثم قال : * ( ويزيدهم من فضله ) * أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء * ( والكافرون لهم عذاب شديد ) * والمقصود التهديد .
قوله تعالى
* ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الاَْرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ
تفسير الرازي — صفحة 169
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٩