تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ * وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ * وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الاَْرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله * ( ويستجيب الذين آمنوا ) * ؟ فأجاب تعالى عنه بقوله * ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) * أي ولأقدموا على المعاصي ، ولما كان ذلك محذوراً وجب أن يعطيهم ما طلبوه ، قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين : الأول : أن حاصل الكلام أنه تعالى : * ( لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) * والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة ، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض ، وذلك يوجب فساد قول المجبرة الثاني : أنه تعالى بيّن أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي إلى المفسدة فلما بيّن تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى ، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلا بد لها من فاعل ، وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني ؟ ويلزم التسلسل ، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوب ونقصانات ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه ، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى ، ثم أورد الجبائي في " تفسيره " على نفسه سؤالاً قال : فإن قيل أليس قد بسط الله الرزق لبعض عباده مع أنه بغى ؟ وأجاب عنه بأن الذي عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق أو لم يعط ، وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) * ( العلق : 6 ، 7 ) حكم مطلقاً بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان . وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر أقل ، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر ، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان .