بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ * فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ ) * .
واعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه بكيفية عقوبتهم في الآخرة ، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير ، وقرأ نافع * ( نحشر ) * بالنون * ( أعداء ) * بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه ، والتقدير يحشر الله عزّ وجلّ أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه معطوف على قوله * ( ونجينا ) * ( فصلت : 18 ) فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ، ويقويه قوله * ( ويوم نحشر المتقين ) * ( مريم : 85 ) * ( وحشرناهم ) * ( الكهف : 47 ) وأما الباقون فقرؤا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله * ( ويم يحشر ) * ابتداء كلام آخر ، وأيضاً الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله * ( احشروا ) * ( الصافات : 22 ) وهم الملائكة ، وأيضاً أن هذه القراءة موافقة لقوله * ( فهم يوزعون ) * ( فصلت : 19 ) وأيضاً فتقدير القراءة الأولى أن الله تعالى قال : * ( ويوم نحشر أعداء الله إلى النار ) * فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال : * ( فهم يوزعون ) * أي يحبس أولهم على آخرهم ، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم ، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم .
ثم قال : * ( حتى إذا ما جاؤنا شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ) * وفيه مسائل :
المسألة الأولى : التقدير حتى إذا جاؤنا شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وعلى هذا التقدير فكلمة * ( ما ) * صلة ، وقيل فيها فائدة زائدة وهي تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله ) * أثم إذا ما وقع آمنتم به ) * ( يونس : 51 ) أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد وعدتين أن لا تظلمني ، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهداً إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه بالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله * ( شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ) * واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها : أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني : أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث : أن يظهر تلك الأعضاء أحوالاً تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان ، وتلك الأمارات تسمى
تفسير الرازي — صفحة 115
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٥