تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
الحاء ، قال صاحب " الكشاف " يقال نحس نحساً نقيض سعد سعداً فهو نحس ، وأما نحس فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو نصف بمصدر . المسألة الثانية : استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض الأيام قد يكون نحساً وبعضها قد يكون سعداً ، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا المعنى ، أجاب المتكلمون بأن قالوا * ( أيام نحسات ) * أي ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف ، وأيضاً قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها ، أجاب المستدل الأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشؤمات لأن السعد يقابله السعد ، والكدر يقابله الصافي ، وأجاب عن السؤال الثاني أن الله تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات ، فوجب أن يكون كون تلك الأيام نحسة مغايراً لذلك العذاب الذي وقع فيها . ثم قال تعالى : * ( ولنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) * أي عذاب الهوان والذل ، والسبب فيه أنهم استكبروا ، فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الخزي والهوان والذل إليهم . ثم قال تعالى * ( ولعذاب الآخرة أخزى ) * أي أشد إهانة وخزياً * ( وهم لا ينصرون ) * أي أنهم يقعون في الخزي الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزي عنهم . ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال : * ( وأما ثمود ) * قال صاحب " الكشاف " قرىء * ( ثمود ) * بالرفع والنصب منوناً وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرئ بضم الثاء وقوله * ( فهديناهم ) * أي دللناهم على طريق الخير والشر * ( فاستحبوا العمى على الهدى ) * أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد . واعلم أن صاحب " الكشاف " ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى : * ( هدىً للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية ، وهذه الآية تبطل قوله ، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل ، فثبت أن قيد مفضياً إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى . وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جواباً شافياً فتركناه ، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل ، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله * ( وأما ثمود فهديناهم ) * يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله * ( فاستحبوا العمى على الهدى ) * يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد ، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل ، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد ، وبيانه من وجهين : الأول : أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى ، لأنهم أحبوا تحصيله ، فلما وقع في قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده ، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل ، وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب ، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب الثاني : أنه تعالى قال : * ( فاستحبوا