تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
الآية وعيداً شديداً في الإتيان بالزنا ، لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالكف ، ونهاية الأمر فيها إنما تحصل بالفخذ . ثم حكى الله تعالى أنهم يقولون لتلك الأعضاء * ( لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) * ومعناه أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى حالما كنتم في الدنيا ثم على خلقكم وإنطاقكم في المرة الثانية وهي حال القيامة والبعث يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء ؟ ثم قال تعالى : * ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) * والمعنى إثبات أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال القبيحة ، إلا أن استتارهم ما كان لأجل خوفهم من أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة ، ولكن ذلك الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون أن الله لا يعلم الأعمال التي يقدمون عليها على سبيل الخفية والاستتار . عن ابن مسعود قال : كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر على ثقفيان وقرشي فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما تقولون ؟ فقال الرجلان إذا سمعنا أصواتنا سمع وإلا لم يسمع . فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل * ( وما كنتم تستترون ) * . ثم قال تعالى : * ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين ) * وهذا نص صريح في أن من ظن بالله تعالى أنه يخرج شيء من المعلومات عن علمه فإنه يكون من الهالكين الخاسرين ، قال أهل التحقيق الظن قسمان ظن حسن بالله تعالى وظن فاسد ، أما الظن الحسن فهو أن يظن به الرحمة والفضل ، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عزّ وجلّ : " أنا عند ظن عبدي بي " وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " ، والظن القبيح فاسد وهو أن يظن بالله أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال ، وقال قتادة : الظن نوعان ظن منج وظن مرد ، فالمنج قوله * ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) * ( الحاقة : 20 ) وقوله * ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) * ( البقرة : 46 ) ، وأما الظن المردي فهو قوله * ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم ) * قال صاحب " الكشاف " * ( وذلكم ) * رفع بالابتداء * ( وظنكم ) * و * ( أرداكم ) * خبران ويجوز أن يكون ظنكم بدلاً من ذلكم وأرداكم الخبر . ثم قال : * ( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) * يعني إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مثوى لهم أي مقاماً لهم * ( وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ) * أي لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها ، ونظيره قوله تعالى : * ( أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) * ( إبراهيم : 21 ) وقرئ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين أي أن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون أي لا سبيل لهم إلى ذلك . قوله تعالى * ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِى أُمَمٍ