تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
واستخدامهم ، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالوا * ( من أشد منا قوة ) * وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة ، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم ، فقال : * ( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) * يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم ، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل ، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى ، خاضعين لأوامره ونواهيه . واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة صلى الله عليه وسلم ، فقالوا القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله * ( الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) * يدل على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله * ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) * ( الذريات : 58 ) فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين لأحدهما مع الآخر نسبة ، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها ، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي ، فما معنى قوله إن الله أشد منهم قوة ؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر . ثم قال : * ( وكانوا بآياتنا يجحدون ) * والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة . واعلم أن نظم الكلام أن يقال : أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون ، وقوله * ( وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) * واعتراض وقع في البين لتقرير السبب الداعي لهم إلى الاستكبار . واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم للخالق ، فقوله * ( استكبروا في الأرض بغير الحق ) * مضاد للإحسان إلى الخلق وقوله * ( وكانوا بآياتنا يجحدون ) * مضاد للتعظيم للخالق ، وإذا كان الأمر كذلك فهم قد بلغوا في الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى الغاية القصوى ، فلهذا المعنى سلّط الله العذاب عليهم فقال : * ( فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ) * وفي الصرصر قولان أحدهما : أنها العاصفة التي تصرصر أن تصوت في هبوبها ، وفي علة هذه التسمية وجوه قيل إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه الرياح بهذا الاسم وقيل هو من صرير الباب ، وقيل من الصرة والصيحة ، ومنه قوله تعالى : * ( فأقبلت امرأته في صرة ) * ( الذاريات : 29 ) والقول الثاني : أنها الباردة التي تحرق ببردها كما تحرق النار بحرها ، وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى : * ( كمثل ريح فيها صر ) * ( آل عمران : 117 ) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم ، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات " وعن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي ، والمقصود أنه مع قلته أهلك الكل وذلك يدل على كمال قدرته . وأما قوله * ( في أيام نحسات ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو * ( نحسات ) * بسكون الحاء والباقون بكسر