تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
لآتينهم من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة ، ويقول الرجل : استدرت بفلان من كل جانب فلم تؤثر حيلتي فيه . السؤال الثاني : المعنى : أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم ، فإن قيل : الرسل الذين جاؤوا من قبلهم ومن بعدهم ، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاءوهم ؟ قلنا : قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ، وبهذا التقدير فكأن جميع الرسل قد جاءوهم . ثم قال : * ( ألا تعبدوا إلا الله ) * يعني أن الرسل الذي جاءوهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك ، قال صاحب " الكشاف " أنفي قوله * ( ألا تعبدوا إلا الله ) * بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله . ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا * ( لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ) * يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل ، وقالوا الدليل على كونهم كاذبين أنه تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زمرة الملائكة ، لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة ، ولما ذكروا هذه الشبهة قالوا * ( فإنا بما أرسلتم به كافرون ) * معناه : فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة ، فأنتم لستم برسل ، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم ، وهو المراد من قوله * ( فأنا بما أرسلتم به كافرون ) * . واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام ، وقوله * ( أرسلتم به ) * ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأنبياء رسلاً ، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون * ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) * ( الشعراء : 27 ) . روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والسحر والكهانة فكلمه ، ثم أتانا بيان عن أمره ، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علماً وما يخفى علي ، فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ لم تشتم ألهتنا وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك للواء فكنت رئيسنا ، وإن تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ، أي بنات من شئت من قريش ، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت ، فلما فزع قال : بسم الله الرحمن الرحيم ( حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ) * إلى قوله * ( صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) * فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلم احتبس عنهم قالوا ، لا نرى عتبة إلا قد صبأ ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت : فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً ، ثم قال : والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب . واعلم أنه تعالى لما بيّن كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بيّن خاصية كل واحدة من هاتين الطائفتين فقال : * ( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ) * وهذا الاستكبار فيه وجهان الأول : إظهار النخوة والكبر ، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني : الاستعلاء على الغير