تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
أما قوله : * ( فلا تطع الكافرين ) * فالمراد نهيه عن طاعتهم ، ودلت هذه الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به . وأما قوله : * ( وجاهدهم به جهاداً كبيراً ) * فقال بعضهم : المراد بذل الجهد في الأداء ، والدعاء وقال بعضهم : المراد القتال ، وقال آخرون : كلاهما ، والأقرب الأول لأن السورة مكية ، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان وإنما قال : * ( جهاداً كبيراً ) * لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته ، فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات وكثر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له : * ( وجاهدهم ) * بسبب كونك نذير كافة القرى * ( جهاداً كبيراً ) * جامعاً لكل مجاهدة . قوله تعالى * ( وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً ) * . اعلم أن هذا هو النوع الرابع من دلائل التوحيد وقوله : * ( مرج البحرين ) * أي خلاهما وأرسلهما يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى ، وأصل المرج الإرسال والخلط ، ومنه قوله تعالى : * ( فهم في أمر مريج ) * ( ق : 5 ) سمى الماءين الكبيرين الواسعين بحرين . قال ابن عباس : مرج البحرين ، أي أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج وهما يلتقيان ، وقوله : * ( هذا عذاب فرات ) * والمقصود من الفرات البليغ في العذوبة حتى ( يصير ) إلى الحلاوة ، والأجاج نقيضه ، وأنه سبحانه بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ، وجعل من عظيم اقتداره برزخاً حائلاً من قدرته ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما معنى قوله : * ( وحجراً محجوراً ) * ؟ الجواب : هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها ، وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجراً محجوراً ، كما قال : * ( لا يبغيان ) * ( الرحمن : 20 ) أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة فانتفاء البغي ( ثمة ) كالتعوذ ، وههنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه ، فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات . السؤال الثاني : لا وجود للبحر العذب ، فكيف ذكره الله تعالى ههنا ؟ لا يقال : هذا مدفوع من وجهين : الأول : أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون الثاني : لعله جعل في البحار موضعاً يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً ، لأنا نقول : أما الأول فضعيف لأن هذه الأودية ليس فيها ملح ، والبحار ليس فيها ماء عذب ، فلم يحصل البتة موضع التعجب وأما