تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب ، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه ؟ وأما قوله عليه السلام : " إذا بلغ الماء قلتين " فقد سبق الكلام عليه ، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم ، والله أعلم . النظر الثاني : في أن غير الماء هل هو طهور أم لا ؟ فقال الأصم والأوزاعي يجوز الوضوء بجميع المائعات ، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر ، وقال أيضاً تجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات التي تزيل أعيان النجاسات ، وقال الشافعي رضي الله عنه الطهورية مختصة بالماء على الإطلاق ودليله في صورة الحدث قوله تعالى : * ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) * ( النساء : 43 ) أوجب التيمم عند عدم الماء ، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما وجب التيمم عند عدم الماء ، وأما في صورة الخبث ، فلأن الخل لو أفاد طهارة الخبث لكان طهوراً لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام : " لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه " وكلمة ( حتى ) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول ، فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله قبول الصلاة ، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في الخبث أيضاً مختصة بالماء . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً * فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً ) * . المسألة الأولى : اعلم أنهم اختلفوا في أن الهاء في قوله : * ( ولقد صرفناه ) * إلى أي شيء يرجع وذكروا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : وهو الذي عليه الجمهور أنه يرجع إلى المطر ، ثم من هؤلاء من قال معنى ( صرفناه ) أنا أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به ، وقال آخرون معناه أنه سبحانه ينزله في مكان دون مكان وفي عام دون عام ، ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول ، قال ابن عباس ما عام بأكثر مطراً من عام ، ولكن الله يصرفه في الأرض ، ثم قرأ هذه الآية ، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من عام بأمطر من عام ، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي " وثانيها : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : * ( صرفناه ) * راجع إلى المطر والرياح والسحاب والأظلال وسائر ما ذكر الله تعالى من الأدلة وثالثها : * ( ولقد صرفناه ) * أي هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب والصحف التي أنزلت على
تفسير الرازي — صفحة 98 | فخر الدين الرازي