تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
أما قوله : * ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) * فالمعنى أنه سبحانه لما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه ، فأمره بأن لا يطلب منهم أجراً البتة ، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار ، وفي جلب جميع المنافع ، وإنما قال : * ( على الحي الذي لا يموت ) * لأن من توكل على الحي الذي يموت ، فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعاً ، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه البتة . أما قوله : * ( وسبح بحمده ) * فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول ، ومنهم من حمله على الصلاة ، ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به في توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال : * ( وكفى به بذنوب عباده خبيراً ) * وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال : كفى بالعلم جمالاً ، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك ، أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم وذلك وعيد شديد ، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة . قوله تعالى * ( الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً ) * . اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور : أولها : بأنه حي لا يموت وهو قوله : * ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) * ( الفرقان : 58 ) وثانيها : أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله : * ( وكفى به بذنوب عباده خبيراً ) * ( الفرقان : 58 ) وثالثها : أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله : * ( الذي خلق السماوات والأرض ) * فقوله : * ( الذي خلق ) * متصل بقوله : * ( الحي الذي لا يموت ) * لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضار ، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه . وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : الأيام عبارة عن حركات الشمس في السماوات فقبل السماوات لا أيام ، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام ؟ الجواب : يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً ، بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان ، لأنا نقول هذا