الرسل وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع ، والوجه الأول أقرب لأنه أقرب المذكورات إلى الضمير .
المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : * ( ليذكروا ) * يدل على أنه تعالى مريد من الكل أن يتذكروا ويشكروا ولو أراد منهم أن يكفروا ويعرضوا لما صح ذلك ، وذلك يبطل قول من قال إن الله تعالى مريد للكفر ممن يكفر ، قال ودل قوله : * ( فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ) * على قدرتهم على فعل هذا التذكر إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال أبوا أن يفعلوه كما لا يقال في الزَّمن أبى أن يسعى ، وقال الكعبي قوله : * ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) * حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا لأن قوله : * ( ليذكروا ) * عام في الكل ، وقوله : * ( فأبى أكثر الناس ) * يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا ، فأبى أكثر - بني تميم - إلا كفوراً . واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً .
المسألة الثالثة : قوله : * ( فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ) * المراد كفران النعمة وجحودها من حيث لا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على وجود الصانع وقدرته وإحسانه ، وقيل المراد من الكفور هو الكفر وذلك الكفر إنما حصل لأنهم يقولون مطرنا بنوء كذا لأن من جحد كون النعم صادرة من المنعم ، وأضاف شيئاً من هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب فقد كفر ، واعلم أن التحقيق أن من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره ، وأما من قال الصانع تعالى جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث ، فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حد الكفر .
المسألة الرابعة : قالوا الآية دلت على أن خلاف معلوم الله مقدور له لأن كلمة لو دلت على أنه تعالى ما شاء أن يبعث في كل قرية نذيراً ، ثم إنه تعالى أخبر عن كونه قادراً على ذلك فدل ذلك على أن خلاف معلوم الله مقدور له .
أما قوله تعالى : * ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ) * فالأقوى أن المراد من ذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لوجوه : أحدها : كأنه تعالى بين له أنه مع القدرة على بعثة رسول ونذير في كل قرية خصه بالرسالة وفضله بها على الكل ولذلك أتبعه بقوله : * ( فلا تطع الكافرين ) * أي لا توافقهم وثانيها : المراد ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين ولبعثنا في كل قرية نذيراً ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل ، فقابل هذا الإجلال بالتشدد في الدين وثالثها : أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد ، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة ، وقوله : * ( ولو ) * يدل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك ، فبالنظر إلى الأول يحصل التأديب ، وبالنظر إلى الثاني يحصل الإعزاز .
تفسير الرازي — صفحة 99
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٩