الجمهور إليه يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني عشرها : أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان في غاية الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار ، فإن ذلك بالإجماع باطل ، فلا بد من التقدير بمقدار معين ، وقد نقلنا عن الناس تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط ، أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم ، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله عليه السلام : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً " فضعيف أيضاً لأن الشافعي لما روى هذا الخبر ، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولاً ، ويكون الحديث مرسلاً وهو عنده ليس بحجة ، وأيضاً زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنه ، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد ، وهو أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل ، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن الخبر اضطراب فإنه روي " إذا بلغ الماء قلتين " ، وروي " إذا بلغ قلة " ، وروي " أربعين قلة " ، وروي " إذا بلغ قلتين أو ثلاثاً " ، وروي " إذا بلغ كوزين " سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله " لم يحمل خبثاً " لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله ، سلمنا إمكان إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي ، والاسم إذا دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي ، كان حمله على المسمى اللغوي أولى ، لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي ، دفعاً للاشتراك والنقل ، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه ، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام : " ما استخبثته العرب فهو حرام " إذا ثبت هذا فنقول : معنى قوله " لم يحمل خبثاً " أي لا يصير مستقذراً طبعاً ، ونحن نقول بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعاً ، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله " لم يحمل خبثاً " أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به ، فيكون هذا دليلاً على صيرورته نجساً لا على بقائه طاهراً . لا يقال : الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلاً ، ولأن سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوي . قوله إنه موقوف على ابن عمر ، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر ، فقال إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن جريج قال في روايته " بقلال هجر " . ثم قال : وقد شاهدت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً . قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبراً . قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك ، وذلك أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلي ، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل ، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض الروايات أنه قال : " إذا كان الماء قلتين لم ينجس " ، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطاً لهذا الحكم ، والمعلق على الشرط عدم
تفسير الرازي — صفحة 96
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٦