تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
* ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا ) * يدل على الرؤية ، وأما الاستكبار والعتو ، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئاً محالاً ، لا يقال إنه عتا واستكبر ، ألا ترى أنهم لما قالوا : * ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) * لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتواً واستكباراً ، بل قال : * ( إنكم قوم تجهلون ) * ( الأعراف : 138 ) بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقاً به ، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت . وبالجملة فقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في تحقيق معنى الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة ، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله تعالى بالاستكبار والعتو ، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقاً ، وهؤلاء طلبوها امتحاناً وتعنتاً ، لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة . المسألة الثالثة : إنما قال * ( في أنفسهم ) * لأنهم أضمروا الاستكبار ( عن الحق وهو الكفر والعناد ) في قلوبهم واعتقدوه كما قال : * ( إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) * ( غافر : 56 ) وقوله : * ( وعتوا عتواً كبيراً ) * أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا ( عتا ) فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه ، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو . أما قوله تعالى : * ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً ) * فهو جواب لقولهم : * ( لولا أنزل علينا الملائكة ) * فبين تعالى أن الذي سألوه سيوجد ، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في انتصاب * ( يوم ) * وجهين : الأول : أن العامل ما دل عليه * ( لا بشرى ) * أي يوم يرون الملائكة ( يبغون البشرى ) و * ( يومئذ ) * للتكرير الثاني : أن التقدير أذكر يوم يرون الملائكة . المسألة الثانية : اختلفوا في ذلك اليوم ، فقال ابن عباس يريد عند الموت ، وقال الباقون يريد يوم القيامة . المسألة الثالثة : إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالاً مضلاً إلا أنه يعتقد في نفسه أنه كان هادياً مهتدياً ، فكان يطمع في ذلك الثواب العظيم ، ولأنهم ربما عملوا ما رجوا فيه النفع كنصرة المظلوم وعطية الفقير وصلة الرحم ، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم في أول الأمر يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة ، وذلك هو النهاية في الإيلام وهو المراد من قوله : * ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) * ( الزمر : 47 ) . المسألة الرابعة : حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم ، لكنه قال لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان : أحدهما : أنه ظاهر في موضع ضمير والثاني : أنه عام فقد تناولهم بعمومه ، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو لأن قوله : * ( لا بشرى للمجرمين ) * نكرة في سياق النفي فيعم جميع أنواع البشرى في جميع الأوقات بدليل أن من