تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وجل لا يجوز أن يكون محدثاً ، فوجب تأويل لفظ القدوم وهو من وجوه : أحدها : * ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ) * أي وقصدنا إلى أعمالهم ، فإن القادم إلى الشيء قاصد له ، فالقصد هو المؤثر في المقدوم إليه وأطلق المسبب على السبب مجازاً وثانيها : المراد قدوم الملائكة إلى موضع الحساب في الآخرة ، ولما كانوا بأمره يقدمون جاز أن يقول * ( وقدمنا ) * على سبيل التوسع ونظيره قوله : * ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) * ( الزخرف : 55 ) وثالثها : * ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ) * ( النمل : 34 ) فلما أباد الله أعمالهم وأفسدها بالكلية صارت شبيهة بالمواضع التي يقدمها الملك فلا جرم قال * ( وقدمنا ) * . أما قوله : * ( إلى ما عملوا من عمل ) * يعني الأعمال التي اعتقدوها براً وظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى ، والمعنى إلى ما عملوا من أي عمل كان . أما قوله : * ( فجعلناه هباء منثوراً ) * فالمراد أبطلناه وجعلناه بحيث لا يمكن الانتفاع به كالهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه ونظيره قوله تعالى : * ( كسراب بقيعة ) * ( النور : 39 ) * ( كرماد اشتدت به الريح ) * ( إبراهيم : 18 ) * ( كعصف مأكول ) * ( الفيل : 5 ) قال أبو عبيدة والزجاج : الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس . وقال مقاتل : إنه الغبار الذي يستطير من حوافر الدواب . أما قوله : * ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) * فاعلم أنه سبحانه لما بين حال الكفار في الخسار الكلي والخيبة التامة شرح وصف أهل الجنة تنبيهاً على أن الحظ كل الحظ في طاعة الله تعالى ، وههنا سؤالات : الأول : كيف يكون أصحاب الجنة خيراً مستقراً من أهل النار ، ولا خير في النار ، ولا يقال في العسل هو أحل من الخل ؟ والجواب من وجوه : الأول : ما تقدم في قوله : * ( أذلك خير أم جنة الخلد ) * ( الفرقان : 15 ) والثاني : يجوز أن يريد أنهم في غاية الخير ، لأن مستقر خير من النار ، كقول الشاعر : فإن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتاً دعائمه أعز وأطول الثالث : التفاضل الذي ذكر بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع ، والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه الرابع : هذا التفاضل واقع على هذا التقدير ، أي لو كان لهم مستقر فيه خير لكان مستقر أهل الجنة خيراً منه . السؤال الثاني : الآية دلت على أن مستقرهم غير مقيلهم فكيف ذلك ؟ والجواب من وجوه : الأول : أن المستقر مكان الاستقرار ، والمقيل زمان القيلولة ، فهذا إشارة إلى أنهم من المكان في أحسن مكان ، ومن الزمان في أطيب زمان الثاني : أن مستقر أهل الجنة غير مقيلهم ، فإنهم يقيلون في الفردوس ، ثم يعودون إلى مستقرهم الثالث : أن بعد الفراغ من المحاسبة والذهاب إلى الجنة يكون الوقت وقت القيلولة ، قال ابن مسعود : " لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار " وقرأ ابن مسعود : ( ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ) .
تفسير الرازي — صفحة 72 | فخر الدين الرازي