رأيت منك أسداً أي أنت أسد ، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح ، فإن قيل لم قال * ( قرة أعين ) * فنكر وقلل ؟ قلنا أما التنكير فلأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال : هب لنا منهم سروراً وفرحاً وإنما قال ( أعين ) دون عيون لأنه أراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ، قال تعالى : * ( وقليل من عبادي الشكور ) * ( سبأ : 13 ) .
المسألة الرابعة : قال الزجاج أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يحبه ، وقال المفضل في قرة العين ثلاثة أقوال : أحدها : يرد دمعتها وهي التي تكون مع الضحك والسرور ودمعة الحزن حارة والثاني : نومها لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع والثالث : حضور الرضا .
المسألة الخامسة : قوله : * ( واجعلنا للمتقين إماماً ) * الأقرب أنهم سألوا الله تعالى أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم ، قال بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها قال الخليل عليه الصلاة والسلام : * ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) * ( الشعراء : 84 ) وقيل نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة .
المسألة السادسة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، قالوا لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل ، فدل على أن العلم والعمل إنما يكون بجعل الله تعالى وخلقه ، وقال القاضي المراد من السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة والجواب : أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً .
المسألة السابعة : قال الفراء : قال ( إماماً ) ، ولم يقل أئمة كما قال للاثنين * ( إني رسول رب العالمين ) * ( الزخرف : 46 ) ويجوز أن يكون المعنى اجعل كل واحد منا إماماً كما قال : * ( يخرجكم طفلاً ) * ( غافر : 67 ) وقال الأخفش : الإمام جمع واحده آم كصائم وصيام . وقال القفال وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين ، ومثله البينة يقال هؤلاء بينة فلان . واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد صفات المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع إحسانه إليهم وهي مجموعة في أمرين المنافع والتعظيم .
قوله تعالى
* ( أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً ) * .
أما المنافع : فهي قوله :
والمراد أولئك يجزون الغرفات والدليل عليه قوله : * ( وهم في الغرفات آمنون ) * ( سبأ : 37 ) وقال : * ( لهم غرف من فوقها غرف ) * ( الزمر : 20 ) والغرفة في اللغة العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية . وقال المفسرون الغرفة اسم الجنة ، فالمعنى يجزون الجنة وهي جنات كثيرة ، وقرأ بعضهم : ( أولئك يجزون في الغرفة ) وقوله : * ( بما صبروا ) * فيه بحثان :
البحث الأول : احتج بالآية من ذهب إلى أن الجنة بالاستحقاق فقال الباء في قوله : * ( بما
تفسير الرازي — صفحة 115
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٥