تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك ، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو منفرداً والجواب : لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح ، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجمع بينهما قبيحاً ، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً ، ويكون الجمع بينهما أقبح ، فكذا ههنا . المسألة الرابعة : قوله : * ( ويخلد فيه مهاناً ) * إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة ، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . أما قوله تعالى : * ( إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : دلت الآية على أن التوبة مقبولة ، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين ، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين ، وإنما الدال عليه قوله : * ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) * . المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة القاتل غير مقبولة ، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : * ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً ) * ( النساء : 93 ) وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة ، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين ، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء . المسألة الثالثة : فإن قيل : العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان ، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشواً ، قلنا : أفردهما بالذكر لعلو شأنهما ، ولما كان لا بد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح . المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد بقوله : * ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) * على وجوه : أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة : إن التبديل إنما يكون في الدنيا ، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيماناً ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين ، وبالزنا عفة وإحصاناً ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب وثانيها : قال الزجاج : السيئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات . وثالثها : قال قوم : إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية ، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول ، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات ، قيل من هم يا رسول الله ؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات " وعلى هذا التبديل في الآخرة ورابعها : قال القفال والقاضي : أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما ، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى . أما قوله تعالى : * ( ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً ) * ففيه سؤالان :