تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
صبروا ) * تدل على ذلك ولو كان حصولها بالوعد لما صدق ذلك . البحث الثاني : ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه ، ليعم كل نوع فيدخل فيه صبرهم على مشاق التفكر والاستدلال في معرفة الله تعالى ، وعلى مشاق الطاعات ، وعلى مشاق ترك الشهوات وعلى مشاق أذى المشركين وعلى مشاق الجهاد والفقر ورياضة النفس فلا وجه لقول من يقول المراد الصبر على الفقر خاصة ، لأن هذه الصفات إذا حصلت مع الغنى استحق من يختص بها الجنة كما يستحقه بالفقر . وثانيهما التعظيم : وهو قوله تعالى : ( ويلقون فيها تحية وسلاماً ) : قرىء * ( يلقون ) * كقوله : * ( ولقاهم نضرة وسروراً ) * ( الإنسان : 11 ) و * ( يلقون ) * كقوله : * ( يلق آثاماً ) * ( الفرقان : 68 ) ، والتحية الدعاء بالتعمير والسلام الدعاء بالسلامة ، فيرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقياً غير منقطع ، ويرجع السلام إلى كون ذلك النعيم خالصاً عن شوائب الضرر ، ثم هذه التحية والسلام يمكن أن يكون من الله تعالى لقوله : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله : * ( والملائك يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ، 24 ) ويمكن أن يكون من بعضهم على بعض . أما قوله : * ( خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ) * . فالمراد أنه سبحانه لما وعد بالمنافع أولاً وبالتعظيم ثانياً ، بين أن من صفتهما الدوام وهو المراد من قوله : * ( خالدين فيها ) * ومن صفتهما الخلوص أيضاً وهو المراد من قوله : * ( حسنت مستقراً ومقاماً ) * وهذا في مقابلة قوله : * ( ساءت مستقراً ومقاماً ) * أي ما أسوأ ذلك وما أحسن هذا . أما قوله : * ( قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ) * . فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين ، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول : * ( قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ) * فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم ، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الخليل ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه ( يستقله ) ويستحقره ، وقال أبو عبيدة ما أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي سواء ، وقال الزجاج معناه أي لا وزن لكم عند ربكم ، والعبء في اللغة الثقل ، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالي بكم ربي . المسألة الثانية : في * ( ما ) * قولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ، كأنه قيل وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم ، والثاني أن تكون ما نافية .
تفسير الرازي — صفحة 116 | فخر الدين الرازي