تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
قوله تعالى * ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده ، ذكر أيضاً في هذه الآية ما وقع عليه الختم في أمر بني إسرائيل ، وههنا بحثان : البحث الأول : أن قوله : * ( بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) * أي أسكناهم مكان صدق أي مكاناً محموداً ، وقوله : * ( مبوأ صدق ) * فيه وجهان : الأول : يجوز أن يكون مبوأ صدق مصدراً ، أي بوأناهم تبوأ صدق . الثاني : أن يكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً ، وإنما وصف المبوأ بكونه صدقاً ، لأن عادة العرب أنها إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق تقول : رجل صدق ، وقدم صدق . قال تعالى : * ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) * ( الإسراء : 80 ) والسبب فيه أن ذلك الشيء إذا كان كاملاً في وقت صالحاً للغرض المطلوب منه ، فكل ما يظن فيه من الخبر ، فإنه لا بد وأن يصدق ذلك الظن . البحث الثاني : اختلفوا في أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية أهم اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام أم الذين كانوا في زمن محمد عليه السلام . أما القول الأول : فقد قال به قوم ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية عقيب قصة موسى عليه السلام كان حمل هذه الآية على أحوالهم أولى ، وعلى هذا التقدير : كان المراد بقوله : * ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) * الشام ومصر ، وتلك البلاد فإنها بلاد كثيرة الخصب . قال تعالى : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) * ( الإسراء : 1 ) والمراد من قوله : * ( ورزقناهم من الطيبات ) * تلك المنافع ، وأيضاً المراد منها أنه تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق والصامت والحرث والنسل ، كما قال : * ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) * ( الأعراف : 137 ) . ثم قال تعالى : * ( فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ) * والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا التوراة ، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع