تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال : نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . الرابع : قرأ بعضهم * ( ننجيك ) * بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب : رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور . وأما قوله : * ( ببدنك ) * ففيه وجوه : الأول : ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، أي في الحال التي كنت بدناً محضاً من غير روح . الثاني : المراد ننجيك ببدنك كاملاً سوياً لم تتغير . الثالث : * ( ننجيك ببدنك ) * أي نخرجك من البحر عرياناً من غير لباس . الرابع : * ( ننجيك ببدنك ) * أي بدرعك ، قال الليث : البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله : * ( ببدنك ) * أي بدرعك ، وهذا منقول عن ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف بها ، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف . أقول : إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام . وأما قوله : * ( لتكون لمن خلفك آية ) * ففيه وجوه : الأول : أن قوماً ممن اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت ، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم . وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل . الثاني : لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله * ( أنا ربكم الأعلى ) * ( النازعات : 24 ) ليكون ذلك زجراً للخلق عن مثل طريقته ، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون . الثالث : قرأ بعضهم * ( لمن خلقك ) * بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته . الرابع : أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج أحداً منهم من قعر البحر ، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالاً على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة . وأما قوله : * ( وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ) * فالأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام وخاطب به محمداً عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجراً لأمته عن الإعراض عن الدلائل ، وباعثاً لهم على التأمل فيها والاعتبار بها ، فإن المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار ، كما قال تعالى : * ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) * ( يوسف : 111 ) .