تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
الجواب : الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل ، وإنما ذكر قوله : * ( وكنت من المفسدين ) * في مقابلة قوله : * ( وأنا من المسلمين ) * ومن الناس من قال : إن قائل هذا القول هو الله تعالى ، لأنه ذكر بعده * ( فاليوم ننجيك ببدنك ) * إلى قوله : * ( وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ) * وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى . السؤال الثاني : ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة والفساد السابق ، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة . والجواب : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلاً ، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية . وأيضاً فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة ، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين . السؤال الثالث : هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضباً عليه . والجواب : الأقرب أنه لا يصح ، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتاً أو ما كان ثابتاً ، فإن كان ثابتاً لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، لقوله تعالى : * ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) * ( المائدة : 2 ) وأيضاً فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة ، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام : * ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) * ( طه : 44 ) ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان ، ولو قيل : إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى ، فهذا يبطله قول جبريل * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) * ( مريم : 64 ) وقوله تعالى في صفتهم : * ( وهم من خشيته مشفقون ) * ( الأنبياء : 28 ) وقوله : * ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) * ( الأنبياء : 27 ) وأما إن قيل : إن التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلاً . ثم قال تعالى : * ( فاليوم ننجيك ببدنك ) * وفيه وجوه : الأول : * ( ننجيك ببدنك ) * أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني : نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق . وقوله : * ( ببدنك ) * في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك . الثالث : أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله : * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( آل عمران : 21 ) كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد