تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وذلة العبودية ، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقروناً بالإخلاص ، فلهذا السبب ما كان مقبولاً . الوجه الثالث : هو أن ذلك الإقرار كان مبنياً على محض التقليد ، ألا ترى أنه قال : * ( لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) * فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله ، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهاً ، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده ، فكان هذا محض التقليد ، فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه ، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة * ( طه ) * كان من الدهرية ، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى ، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته ، إلا بنو الحجج القطعية ، والدلائل اليقينية ، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد ، لأنه يكون ضماً لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق . الوجه الرابع : رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل ، فلما قال فرعون * ( آمنت أنه لا إله إلا الذين آمنت به بنو إسرائيل ) * انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت ، فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر . الوجه الخامس : أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه ، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون * ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) * فكأنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول ، وكل من اعتقد ذلك كان كافراً فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون . الوجه السادس : لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى ، والإقرار بنبوة موسى عليه السلام . فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه . ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمان إلا إذا قال معه وأشهد أن محمداً رسول الله ، فكذا ههنا . الوجه السابع : روى صاحب " الكشاف " أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا فيها ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته ، فكفر نعمته وجحد حقه ، وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر ، ثم إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه . أما قوله تعالى : * ( آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) * ففيه سؤالات : السؤال الأول : من القائل له * ( آلآن وقد عصيت قبل ) * .