وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص ، فإنه لا يوجه خطابه عليهم ، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم ، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم .
الوجه الثاني : أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك ، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام ، فإنه يصرح ويقول : " يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة " ونظيره قوله تعالى للملائكة : * ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) * ( سبأ : 40 ) أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا : * ( سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) * ( سبأ : 41 ) وكما قال لعيسى عليه السلام : * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * ( المائدة : 116 ) والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا ههنا .
الوجه الثالث : هو أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان من البشر ، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات ، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات ، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس ، ونظيره قوله تعالى : * ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك ) * ( هود : 12 ) وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله : * ( فإن كنت في شك ) * فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع أو لم يقع . ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع ، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط ، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين ، فهو كلام حق ، لأن معناه أن كون الخمسة زوجاً يستلزم كونها منقسمة بمتساويين ، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية ، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا ، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع ، فليس في الآية دلالة عليه ، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر ، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة .
والوجه الرابع : في تقرير هذا المعنى أن تقول : المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان ، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى ، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات ، وذلك الاستحياء صار مانعاً لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى : * ( فإن كنت في شك ) * من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل ، يعني أولى الناس بأن لا يشك
تفسير الرازي — صفحة 161
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦١