تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
المسألة الثانية : قال ابن عباس : نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به . واعلم أن السبب وإن كان خاصاً إلا أن الحكم عام ، فقوله : * ( أنفقوا طوعاً أو كرهاً ) * وإن كان لفظه لفظ أمر ، إلا أن معناه معنى الشرط والجزاء . والمعنى : سواء أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل ذلك منكم . واعلم أن الخبر والأمر يتقاربان ، فيحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر . أما إقامة الأمر مقام الخبر ، فكما ههنا ، وكما في قوله : * ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) * ( التوبة : 80 ) وفي قوله : * ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً ) * ( مريم : 75 ) وأما إقامة الخبر مقام الأمر ، فكقوله : * ( والوالدات يرضعن أولادهن ) * ( البقرة : 233 ) ) * المطلقات يتربصن بأنفسهن ) * ( البقرة : 288 ) وقال كثير : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله : * ( طوعاً أو كرهاً ) * يريد طائعين أو كارهين . وفيه وجهان : الأول : طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله ، وسمى الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون ، فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه ، والثاني : أن يكون التقدير : طائعين من غير إكراه من رؤسائكم ، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم . ثم قال تعالى : * ( لن يتقبل منكم ) * يحتمل أن يكون المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتقبل تلك الأموال منهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله . ثم قال تعالى : * ( إنكم كنتم قوماً فاسقين ) * وهذا إشارة إلى أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين . قال الجبائي : دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات ، لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة ، وعلل ذلك بكونهم فاسقين ، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح ، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح ، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى ، ثم إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة ، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين ، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين ، والجمع بينهما محال . فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً . واعلم أنه كان الواجب عليه أن لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله هذه الشبهة على أبلغ الوجوه ، وهو قوله : * ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ) * فبين تعالى
تفسير الرازي — صفحة 88 | فخر الدين الرازي