وقعوا في القتل والأسر والنهب ، وانتقلوا من الدنيا إلى عذاب النار ، فالمنافق لا يتربص بالمؤمن إلا إحدى الحالتين المذكورتين ، وكل واحدة منهما في غاية الجلالة والرفعة والشرف ، والمسلم يتربص بالمنافق إحدى الحالتين المذكورتين ، أعني البقاء في الدنيا مع الخزي والذل والهوان ، ثم الانتقال إلى عذاب القيامة والوقوع في القتل والنهب مع الخزي والذل ، وكل واحدة من هاتين الحالتين في غاية الخساسة والدناءة ، ثم قال تعالى للمنافقين : * ( فتربصوا ) * بنا إحدى الحالتين الشريفتين * ( إنا معكم متربصون ) * وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين النازلتين . قال الواحدي : يقال فلان يتربص بفلان الدوائر ، وإذا كان ينتظر وقوع مكروه به ، وهذا قد سبق الكلام فيه . وقال أهل المعاني : التربص ، التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ، ولذلك قيل : فلان يتربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره ، والحسنى تأنيث الأحسن . واختلفوا في تفسير قوله : * ( بعذاب من عنده أو بأيدينا ) * قيل : من عند الله . أي بعذاب ينزله الله عليهم في الدنيا ، أو بأيدينا بأن يأذن لنا في قتلكم . وقيل : بعذاب من عند الله ، يتناول عذاب الدنيا والآخرة ، أو بأيدينا القتل .
فإن قيل : إذا كانوا منافقين لا يحل قتلهم مع إظهارهم الإيمان ، فكيف يقول تعالى ذلك ؟
قلنا قال الحسن : المراد بأيدينا إن ظهر نفاقكم ، لأن نفاقهم إذا ظهر كانوا كسائر المشركين في كونهم حرباً للمؤمنين ، وقوله : * ( فتربصوا ) * وإن كان بصيغة الأمر ، إلا أن المراد منه التهديد ، كما في قوله : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * والله أعلم .
* ( قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ) * .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، بين أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة ، والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم ، وأن أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا وفي الآخرة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي * ( كرهاً ) * بضم الكاف ههنا ، وفي النساء والأحقاف ، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة ، وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك . فقيل : هما لغتان . وقيل : بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه .
تفسير الرازي — صفحة 87
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٧