تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
موعظة ) * ووجه من قرأ بالتأنيث أن الفعل مسند إلى مؤنث . قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( نفقاتهم ) * و * ( نفقتهم ) * على الجمع والتوحيد . وقرأ السلمي * ( أن يقبل منهم نفقاتهم ) * على إسناد الفعل إلى الله عز وجل . * ( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة ، بين أن الأشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا ، فإنه تعالى جعلها أسباب تعظيمهم في الدنيا ، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم ، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فإنه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم ، بين مالهم في الآخرة من العذاب الشديد ومالهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة . ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند هذا يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ، وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه أحسن من هذا . ومن الله التوفيق . وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الخطاب ، وإن كان في الظاهر مختصاً بالرسول عليه السلام ، إلا أن المراد منه كل المؤمنين ، أي لا ينبغي أن تعجبوا بأموال هؤلاء المنافقين والكافرين ، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم الله عليهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( ولا تمدن عينيك ) * ( طه : 131 ) الآية . المسألة الثانية : الإعجاب : السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله ، فإنه لا يبعد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره ، والإنسان متى كان متذكراً لهذا المعنى زال إعجابه بالشيء ، ولذلك قال عليه السلام : " ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه " وكان عليه السلام يقول : " هلك المكثرون " وقال عليه السلام : " مالك من مالك
تفسير الرازي — صفحة 91 | فخر الدين الرازي