تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : قوله : * ( لا يستأذنك ) * أي بعد غزوة تبوك ، وقال الباقون : هذا لا يجوز ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك ، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين ، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا ، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار . وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي ، والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك لوقت الاستئذان ، والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : * ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ) * فيه محذوف ، والتقدير : في أن يجاهدوا . إلا أنه حسن الحذف لظهوره ، ثم ههنا قولان : القول الأول : إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر ، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى ، فأي فائدة في الاستئذان ؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك ، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " . القول الثاني : أنه لا بد ههنا من إضمار آخر ، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز ، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان ، فثبت أنه لا بد من الإضمار ، والتقدير : لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا ، إلا أنه حذف حرف النفي ، ونظير قوله : * ( يبين الله لكم أن تضلوا ) * ( النساء : 176 ) والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر