تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
التي تظهر على جوارحهم ، وأقول أيضاً مذهب حكماء الإسلام أن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسات ، وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول . فوجب كون العلم بالغيب سابقاً على العلم بالشهادة ، فلهذا السبب أينما جاء هذا الكلام في القرآن كان الغيب مقدماً على الشهادة . المسألة الثانية : إن حملنا قوله تعالى : * ( فسيرى الله عملكم ) * على الرؤية ، فحينئذ يظهر أن معناه مغاير لمعنى قوله : * ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) * وإن حملنا تلك الرؤية على العلم أو على إيصال الثواب جعلنا قوله : * ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) * جارياً مجرى التفسير لقوله : * ( فسيرى الله عملكم ) * معناه : بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدنيا ، أو بإظهار أضدادها . وقوله : * ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) * معناه : ما يضره في القيامة من حال الثواب والعقاب . ثم قال : * ( فينبئكم بما كنتم تعملون ) * والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم يجازيكم عليها ، لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد التعريف . ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم ، فإن كان من أهل الثواب كان فرحه وسعادته أكثر ، وإن كان من أهل العقاب كان غمه وخسرانه أكثر . وقال حكماء الإسلام ، المراد من قوله تعالى : * ( فسيرى الله عملكم ) * الإشارة إلى الثواب الروحاني ، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعاً من المشاق في الأمور التي أمره بها مولاه ، فإذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملاً لتلك المشاق ، عظم فرحه وقوي ابتهاجه بها ، وكان ذلك عنده ألذ من الخلع النفيسة والأموال العظيمة . وأما قوله : * ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) * فالمراد منه تعريف عقاب الخزي والفضيحة . ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من الإحسان إذا أتى بأنواع كثيرة من المعاصي ، فإذا حضر ذلك العبد عند ذلك السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه وفضائحه ، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته ، وهذا نوع من العذاب الروحاني ، وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب الجسماني حذراً منه . والمقصود من هذه الآية تعريف هذا النوع من العقاب الروحاني نسأل الله العصمة منه ومن سائر العذاب . قوله تعالى * ( وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَْمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * .