تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
منه ليكن أمرهم على الخوف والرجاء ، فجعل أناس يقولون هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذراً ، وآخرون يقولون عسى الله أن يغفر لهم . المسألة الثانية : لا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو وتخلفهم عن الرسول عليه اسلام ، ثم إنه تعالى لم يحكم بكونهم تائبين بل قال : * ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) * وذلك يدل على أن الندم وحده لا يكون كافياً في صحة التوبة . فإن قيل : فما تلك الشرائط ؟ قلنا : لعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم أو خافوا من الخجلة والفضيحة ، وعلى هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة ولا مقبولة ، فاستمر عدم قبول التوبة إلى أن سهل أحوال الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم ، فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية ، وعند ذلك صحت توبتهم . المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير التائب ، وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين * ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) * وذلك يدل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين ، وهو إما التعذيب وإما التوبة ، وأما العفو عن الذنب من غير التوبة ، فهو قسم ثالث . فلما أهمل الله تعالى ذكره دل على أنه باطل وغير معتبر . والجواب : أنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين ، بل نقطع بحصول العفو في الجملة ، وأما في حق كل واحد بعينه ، فذلك مشكوك فيه . ألا ترى أنه تعالى قال : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * فقطع بغفران ما سوى الشرك ، لكن لا في حق كل أحد ، بل في حق من يشاء . فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء ، عدم العفو على الإطلاق . وأيضاً فعدم الذكر لا يدل على العدم ، ألا ترى أنه تعالى قال : * ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ) * ( عبس : 38 ، 39 ) وهم المؤمنون * ( ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ) * ( عبس : 40 ، 41 ) فههنا المذكورون ، إما المؤمنون ، وإما الكافرون ، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث ، لم يدل عند الجبائي على نفيه ، فكذا ههنا . وأما قوله تعالى : * ( والله عليم حكيم ) * أي * ( عليم ) * بما في قلوب هؤلاء المؤمنين * ( حكيم ) * فيما يحكم فيهم ويقضي عليهم . قوله تعالى * ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ