للمذنبين ، فكأنه تعالى قال : اجتهدوا في المستقبل ، فإن لعملكم في الدنيا حكماً وفي الآخرة حكماً . أما حكمه في الدنيا فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون ، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة ، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة . فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده .
المسألة الثانية : دلت الآية على مسائل أصولية . الحكم الأول إنها تدل على كونه تعالى رائياً للمرئيات ، لأن الرؤية المعداة إلى مفعول واحد ، هي الإبصار ، والمعداة إلى مفعولين هي العلم ، كما تقول رأيت زيداً فقيهاً ، وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الإبصار ، وذلك يدل على كونه مبصراً للأشياء كما أن قول إبراهيم عليه السلام : * ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ) * ( مريم : 42 ) يدل على كونه تعالى مبصراً ورائياً للأشياء ، ومما يقوي أن الرؤية لا يمكن حملها ههنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه بالعلم بعد هذه الآية فقال : * ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ) * ولو كانت هذه الرؤية هي العلم لزم حصول التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل . الحكم الثاني مذهب أصحابنا أن كل موجود فإنه يصح رؤيته ، واحتجوا عليه بهذه الآية وقالوا : قد دللنا على بأن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول واحد ، والقوانين اللغوية شاهدة أن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الإبصار . فكانت هذه الرؤية معناها الإبصار . ثم إنه تعالى عدى هذه الرؤية إلى عملهم والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب ، كالإرادات والكراهات والأنظار . وإلى أعمال الجوارح ، كالحركات والسكنات . فوجب كونه تعالى رائياً للكل وذلك يدل على أن هذه الأشياء كلها مرئية لله تعالى ، وأما الجبائي فإنه كان يحتج بهذه الآية على كونه تعالى رائياً للحركات والسكنات والاجتماعات والافتراقات ، فلما قيل له : إن صح هذا الاستدلال ، فيلزمك كونه تعالى رائياً لأعمال القلوب ، فأجاب عنه أنه تعالى عطف عليه قوله : * ( ورسوله والمؤمنون ) * وهم إنما يرون أفعال الجوارح ، فلما تقيدت هذه الرؤية بأعمال الجوارح في حق المعطوف وجب تقييدها بهذا القيد في حق المعطوف عليه ، وهذا بعيد لأن العطف لا يفيد إلا أصل التشريك . فأما التسوية في كل الأمور فغير واجب ، فدخول التخصيص في المعطوف ، لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف عليه ، ويمكن
تفسير الرازي — صفحة 188
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٨