تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وأما الثاني : وهو قوله : * ( ويؤمن للمؤمنين ) * فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول ، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار . فإن قيل : لم عدى الإيمان إلى الله بالباء وإلى المؤمنين باللام ؟ قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر ، فعدى بالباء ، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى باللام ، كما في قوله : * ( وما أنت بمؤمن لنا ) * ( يوسف : 17 ) وقوله : * ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ) * ( يونس : 83 ) وقوله : * ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * ( الشعراء : 111 ) وقوله : * ( آمنتم له قبل أن آذن لكم ) * ( الشعراء : 49 ) . وأما الثالث : وهو قوله : * ( ورحمة للذين آمنوا منكم ) * فهذا أيضاً يوجب الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر ، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم ، ولا يسعى في هتك أستاركم ، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب كونه * ( أذن خير ) * ولما بين كونه سبباً للخير والرحمة بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم ، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور ، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى . المسألة الرابعة : أما قراءة من قرأ * ( أذن خير ) * بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه : الوجه الأول : التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون ، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن ، وهو قوله : * ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ) * والمعنى أن من كان موصوفاً بهذه الصفات ، فكيف يجوز الطعن فيه ، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار ؟ الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ ، والتقدير : هو أذن خير لكم ، أي هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم ، لأنه يقبل معاذيركم ، ويتغافل عن جهالاتكم ، فكيف جعلتم هذه الصفة طعناً في حقه ؟ الوجه الثالث : وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم . فقال : * ( أذن ) * وإن كان رفعاً بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذناً خير إذا كان أذناً فهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم ، ونظيره ، وهو حافظاً خير لكم ، أي هو حال كونه حافظاً لكم إلا أنه لما كان محذوفاً وضع الحال مكان المبتدأ تقديره ، وهو حافظ خير لكم وإضمار " هو " في القرآن كثير .
تفسير الرازي — صفحة 117 | فخر الدين الرازي